فصل: تفسير الآية رقم (131):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (122- 130):

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)}
{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناس} مثل به من هداه الله سبحانه وتعالى وأنقذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل. وقرأ نافع ويعقوب {مَيْتًا} على الأصل. {كَمَن مَّثَلُهُ} صفته وهو مبتدأ خبره. {فِى الظلمات} وقوله: {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} حال من المستكن في الظرف لا من الهاء في مثله للفصل، وهو مثل لمن بقي على الضلالة لا يفارقها بحال. {كذلك} كما زين للمؤمنين إيمانهم. {زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} والآية نزلت في حمزة وأبي جهل وقيل في عمر أو عمار وأبي جهل.
{وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، و{جَعَلْنَا} بمعنى صيرنا ومفعولاه {أكابر مُجْرِمِيهَا} على تقديم المفعول الثاني، أو في كل قرية {أكابر} و{مُجْرِمِيهَا} بدل ويجوز أن يكون مضافاً إليه إن فسر الجعل بالتمكين، وأفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد والمطابقة ولذلك قرئ: {أكبر مجرميها}، وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم. {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ} لأن وباله يحيق بهم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} ذلك.
{وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله} يعني كفار قريش لما روي: أن أبا جهل قال زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} استئناف للرد عليهم بأن النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله سبحانه وتعالى بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالاته من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم {رِسَالَتَهُ} {سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} ذل وحقارة بعد كبرهم. {عَندَ الله} يوم القيامة وقيل تقديره من عند الله. {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} بسبب مكرهم أو جزاء على مكرهم.
{فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ} يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان. {يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام} فيتسع له وينفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار عليه أفضل الصلاة والسلام حين سئل عنه فقال: «نور يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح فقالوا: هل لذلك من أمارة يعرف بها فقال: نعم الإِنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله».
{وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً} بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإِيمان. وقرأ ابن كثير {ضَيّقاً} بالتخفيف ونافع وأبو بكر عن عاصم حرجاً بالكسر أي شديد الضيق، والباقون بالفتح وصفاً بالمصدر. {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السماء} شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة، ونبه به على أن الإِيمان يمتنع منه كما يمتنع الصعود. وقيل معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبواً عن الحق وتباعداً في الهرب منه، وأصل يصعد يتصعد وقد قرئ به وقرأ ابن كثير {يَصْعَدُ} وأبو بكر عن عاصم يصاعد بمعنى يتصاعد. {كذلك} أي كما يضيق صدره ويبعد قلبه عن الحق. {يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} يجعل العذاب أو الخذلان عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للتعليل.
{وهذا} إشارة إلى البيان الذي جاء به القرآن، أو إلى الإسلام أو ما سبق من التوفيق والخذلان. {صراط رَبّكَ} الطريق الذي ارتضاه أو عادته وطريقه الذي اقتضته حكمته. {مُّسْتَقِيماً} لا عوج فيه، أو عادلاً مطرداً وهو حال مؤكدة كقوله: {وَهُوَ الحق مُصَدّقًا}، أو مقيدة والعامل فيها معنى الإشارة. {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} فيعلمون أن القادر هو الله سبحانه وتعالى وأن كل ما يحدث من خير أو شر فهو بقضائه وخلقه، وأنه عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم.
{لَهُمْ دَارُ السلام} دار الله أضاف الجنة إلى نفسه تعظيماً لها، أو دار السلامة من المكاره أو دار تحيتهم فيها سلام. {عِندَ رَبّهِمْ} في ضمانه أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره. {وَهُوَ وَلِيُّهُم} مواليهم أو ناصرهم. {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بسبب أعمالهم أو متوليهم بجزائها فيتولى إيصاله إليهم.
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} نصب باضمار اذكر أو نقول، والضمير لمن يحشر من الثقلين. وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب {يَحْشُرُهُمْ} بالياء. {كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن} يعني الشياطين. {قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس} أي من إغوائهم وإضلالهم، أو منهم جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كقوله استكثر الأمير من الجنود. {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس} الذين أطاعوهم. {رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي انتفع الإنس بالجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، والجن بالإِنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم. وقيل استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز وعند المخاوف، واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم. {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا} أي البعث وهو اعتراف بما فعلوه من طاعة الشيطان واتباع الهوى وتكذيب البعث وتحسر على حالهم. {قَالَ النار مَثْوَاكُمْ} منزلكم أو ذات مثواكم. {خالدين فِيهَا} حال والعامل فيها مثواكم إن جعل مصدراً، ومعنى الإضافة إن جعل مكاناً {إِلاَّ مَا شَاء الله} إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير وقيل: {إِلاَّ مَا شَاء الله} قبل الدخول كأنه قيل: النار مَثْوَاكُمْ أبداً إلا ما أمهلكم.
{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في أفعاله. {عَلِيمٌ} بأعمال الثقلين وأحوالهم.
{وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً} نكل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضهم يتولى بعضاً فيغويهم أولياء بعض وقرناءهم في العذاب كما كانوا في الدنيا. {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الكفر والمعاصي.
{يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ} الرسل من الإِنس خاصة، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك ونظيره {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} والمرجان يخرج من الملح دون العذب وتعلق بظاهره قوم وقالوا بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم. وقيل الرسل من الجن رسل الرسل إليهم لقوله تعالى: {وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا} يعني يوم القيامة. {قَالُواْ} جواباً. {شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} بالجرم والعصيان وهو اعتراف منهم بالكفر واستيجاب العذاب. {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسهم أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين} ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذير للسامعين مثل حالهم.

.تفسير الآية رقم (131):

{ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)}
{ذلك} إشارة إلى إرسال الرسل، وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون} تعليل للحكم وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة أي: الأمر لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلم فعلوه، أو ملتبسين بظلم أو ظالماً وهم غافلون لم ينبهوا برسول أو بدل من ذلك.

.تفسير الآية رقم (132):

{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)}
{وَلِكُلّ} من المكلفين. {درجات} مراتب {مّمَّا عَمِلُواْ} من أعمالهم أو من جزائها، أو من أجلها {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب. وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة.

.تفسير الآية رقم (133):

{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133)}
{وَرَبُّكَ الغنى} عن العباد والعبادة. {ذُو الرحمة} يترحم عليهم بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي، وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتأسيس لما بعده وهو قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي ما به إليكم حاجة {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيها العصاة. {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء} من الخلق. {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ} أي قرنا بعد قرن لكنه أنبأكم ترحماً عليكم.

.تفسير الآيات (134- 140):

{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)}
{إِنَّمَا تُوعَدُونَ} من البعث وأحواله. {لأَتٍ} لكائن لا محالة. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} طالبكم به. {قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} على غاية تمكنكم واستطاعتكم يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة. وقرأ أبو بكر عن عاصم {مكاناتكم} بالجمع في كل القرآن وهو أمر تهديد، والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم. {إِنّى عامل} ما كنت عليه من المصابرة والثبات على الإسلام، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعاً عليه فيحمله بالأمر على ما يفضي به، إليه، وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار} إن جعل {مِنْ} استفهامية بمعنى أينا تكون له عاقبة الدار الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار، فمحلها الرفع وفعل العلم معلق عنه وإن جعلت خبرية فالنصب ب {تَعْلَمُونَ} أي فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة الدار، وفيه مع الإِنذار إنصاف في المقال وحسن الأدب، وتنبيه على وثوق المنذر بأنه محق. وقرأ حمزة والكسائي {يكون} بالياء لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون} وضع الظالمين موضع الكافرين لأنه أعم وأكثر فائدة.
{وَجَعَلُواْ} أي مشركوا العرب. {لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} خلق. {مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ} روي: أنهم كانوا يعينون شيئاً؟ من حرث ونتائج لله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئاً منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها، ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حباً لآلهتهم. وفي قوله: {مِمَّا ذَرَأَ} تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جماداً لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وفي قوله: {بِزَعْمِهِمْ} تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله به. وقرأ الكسائي بالضم في الموضعين وهو لغة فيه وقد جاء فيه الكسر أيضاً كالود والود. {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} حكمهم هذا.
{وكذلك} ومثل ذلك للتزيين في قسمة القربان. {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم} بالوأد ونحرهم لآلهتهم. {شُرَكَاؤُهُمْ} من الجن أو من السدنة، وهو فاعل {زُيّنَ}. وقرأ ابن عامر {زُيّنَ} على البناء للمفعول الذي هو القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر كقوله:
فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَة ** زَجَّ القلوصِ أَبِي مُزَادَه

وقرئ بالبناء للمفعول وجر أولادهم ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه {زُيّنَ}.
{لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم بالإِغواء. {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين والعاقبة إن كان من السدنة. {وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ} ما فعل المشركون ما زين لهم، أو الشركاء التزيين أو الفريقان جميع ذلك. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} افتراءهم أو ما يفترونه من الإِفك.
{وَقَالُواْ هذه} إشارة إلى ما جعل لآلهتهم. {أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ} حرام فعل بمعنى مفعول، كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى. وقرئ: {حِجْرٍ} بالضم وحرج أي مضيق. {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء} يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء. {بِزَعْمِهِمْ} من غير حجة. {وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا} يعني البحائر والسوائب والحوامي. {وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا} في الذبح وإنما يذكرون أسماء الأصنام عليها، وقيل لا يحجون على ظهورها. {افتراء عَلَيْهِ} نصب على المصدر لأن ما قالوا تقول على الله سبحانه وتعالى، والجار متعلق ب {قَالُواْ} أو بمحذوف هو صفة له أو على الحال، أو على المفعول له والجار متعلق به أو بالمحذوف. {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} بسببه أو بدله.
{وَقَالُواْ مَا في بُطُونِ هذه الأنعام} يعنون أجنة البحائر والسوائب. {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا} حلال للذكور خاصة دون الإِناث إن ولد حيًا لقوله: {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء} فالذكور والإِناث فيه سواء وتأنيث الخالصة للمعنى فإن ما في معنى الأجنة ولذلك وافق عاصم في رواية أبي بكر بن عامر في تكن بالتاء، وخالفه هو وابن كثير في {مَيْتَةً} فنصب كغيرهم، أو التاء فيه للمبالغة كما في رواية الشعر أو هو مصدر كالعافية وقع موقع الخالص. وقرئ بالنصب على أنه مصدر مؤكد والخبر {لِّذُكُورِنَا}، أو حال من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنها لا تتقدم على العامل المعنوي ولا على صاحبها المجرور. وقرئ: {خالصا} بالرفع والنصب و{خَالِصَةٌ} بالرفع والإِضافة إلى الضمير على أنه بدل من ها أو مبتدأ ثان والمراد به ما كان حياً، والتذكير في فيه لأن المراد بالميتة ما يعم الذكر والأنثى فغلب الذكر. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي جزاء وصفهم الكذب على الله سبحانه وتعالى في التحريم والتحليل من قوله: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب} {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
{قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم} يريد بهم العرب الذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر. وقرأ ابن كثير وابن عامر {قاتلوا} بالتشديد بمعنى التكثير. {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله سبحانه وتعالى رازق أولادهم لا هم، ويجوز نصبه على الحال أو المصدر. {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله} من البحائر ونحوها. {افتراء عَلَى الله} يحتمل الوجوه المذكورة في مثله. {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} إلى الحق والصواب.